الشوكاني

454

فتح القدير

سورة الحج الآية ( 36 - 37 ) قرأ ابن أبي إسحاق ( والبدن ) بضم الباء والدال ، وقرأ الباقون بإسكان الدال وهما لغتان ، وهذا الاسم خاص بالإبل ، وسميت بدنة لأنه تبدن ، والبدانة : السمن . وقال أبو حنيفة ومالك : إنه يطلق على غير الإبل ، والأول أولى لما سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الإبل ، ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالإبل . وقال ابن كثير في تفسيره : واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين : أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعا كما صح في الحديث ( جعلناها لكم ) وهى ما تقدم بيانه قريبا ( لكم فيها خير ) أي منافع دينية ودنيوية كما تقدم ( فاذكروا اسم الله عليها ) أي على نحرها ومعنى ( صواف ) أنها قائمة قد صفت قوائمها ، لأنها تنحر قائمة معقولة ، وأصل هذا الوصف في الخيل يقال : صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة . وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد وزيد بن أسلم وأبو موسى الأشعري " صوافي " أي خوالص لله لا تشركون به في التسمية على نحرها أحدا ، وواحد صواف صافة ، وهى قراءة الجمهور : وواحد صوافي صافية ، وقرأ ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو جعفر ومحمد بن علي " صوافن " بالنون جمع صافنة ، والصافنة هي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب ، ومنه قوله تعالى " الصافنات الجياد " ، ومنه قول عمرو بن كلثوم : تركنا الخيل عاكفة عليه * مقلدة أعنتها صفونا وقال الآخر : ألف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسير ( فإذا وجبت جنوبها ) الوجوب السقوط : أي فإذا سقطت بعد نحرها ، وذلك عند خروج روحها ( فكلوا منها ) ذهب الجمهور أن هذا الأمر للندب ( وأطعموا القانع والمعتر ) هذا الأمر قيل هو للندب كالأول ، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج . وقال الشافعي وجماعة : هو للوجوب . واختلف في القانع من هو ؟ فقيل هو السائل ، يقال قنع الرجل بفتح النون يقنع بكسرها إذا سأل ، ومنه قول الشماخ : لمال المرء يصلحه فيغني * مفاقره أعف من القنوع أي السؤال ، وقيل هو المتعفف عن السؤال المستغنى ببلغة ، ذكر معناه الخليل . قال ابن السكيت : من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة ، وهى الرضا والتعفف وترك المسألة . وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن ، وروى عن ابن عباس . وبالثاني قال عكرمة وقتادة . وأما المعتر ، فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن أنه الذي يتعرض من غير سؤال . وقيل هو الذي يعتريك ويسألك . وقال مالك : أحسن ما سمعت أن القانع : الفقير ، والمعتر : الزائر . وروى عن ابن عباس : أن كلاهما الذي لا يسأل ، ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل ، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك . وقرأ الحسن والمعترى ومعناه كمعنى المعتر ، ومنه قول زهير : على مكثريهم رزق من يعتريهم * وعند المقلين السماحة والبذل